أختي أميرة القلوب
إيه أمي وفي رضاك جنان
لا يقين لدي ّ بعد الأفول
كيف أنعاك يا ربيع زماني
جف حبري وجف نبع حقولي
كنت أمي وأمتي وظلالي
كنت أصلي وصبوتي وكهولي
روضة الطهر كم تعلمت فيها
كيف أسمو على غثاء فضولي
خيمة تبعث الأمان بروحي
تزرع الدفء في شتاء رحيلي
قبةٌّ تحت سقفها كم غدونا
وحدة الحب في زمان الحقول
في سباق إلى سريرك كل
ينشد القرب من بهاك الجليل
نقطف الصدق من خصالد نرجو
عبق الزهو من صفاك الجميل
طالعت هذه الأبيات للشاعر إبراهيم العواجي بالمجلة العربية في عددها 287 الصادر في ذي الحجة 1421 ه راثياً فيها والدته؛ وإان أبيات القصيدة لتبوح عن محتواها.
أجل .... ما أعظم منزلة الأم وما أسمى مكانتها.
إننا لا نستطيع أن نفي هذا الكيان العظيم حقه من الثناء والتقدير
عن أبي عبد الله الإمام الصادق :جاء رجل وسأل النبي صلى الله عليه وآله عن بر الوالدين فقال : أبرر أمك , أبرر أمك, أبرر أمك, أبرر أباك, أبرر أباك, أبرر أباك, وبدأ بالأم قبل الأب.
إذا ليس بمقدورنا أن نفيها حقها مهما قدمنا لها من عطاء.
فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يمل أحد أحدا, وأطعمتك من ثمرة قلبها ملا يطعم أحدٌ أحدأً, وأنها وقتك بسمعها وبصرها, ويدها ورجلها وشعرها وبشرها, وجميع جوارحها, مستبشرة بذلك, فرحة موبلة محتملة لما فيه مكروها, وألمها, وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة, وأخرجتك إلى الأرض, فرضيت أن تشبع وتجوع هي, وتكسوك وتعرى, وترويك وتظمأ, وتظلك وتضحى, وتنعمك ببؤسها, وتلذذك بالنوم بأرقها, وكان بطنها لك وعاءاً, وحجرها لك حواءأً, وثديها لك سقاءاً, ونفسها لك وقاءأً, تباشر حر الدنيا وبردها لك, ودونك, فتشكرها على قدر ذلك, ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه ..."
أو يستطيع إنسان أمام هذا البيان الخالد أن يصف عظم دور الأم ومقدراه؟
إن الأم هي التي كتب الله لنا بوجودها الحياة ... وكيف لا وقد تعاهدتنا بروحها متحملة مضاعفات الحمل ومشاق الولادة.
كم من أم فقدت حياتها حين ولادتها أو بعدها بقليل.
أهل بإمكاننا أن نحصي حجم المشقة التي كابدتها وهي ساهرة يحوطنا قلبها بعطفه وحنانه؟
لقد كسانا عطف روحها وحنان صدرها حلة قشيبة وقتنا قساوة الحياة وضراوة الأيام
أوما سمعنا بكثير من القصص والحكايات عن مواقف جفاءٍ أبناء لإمهاتهم لم يتوقف إزاءها قلب الأم عن مواصلة تقديم ذعطاء الحب المتدفق؟
فما هي الأم أن أردنا أن نصفها؟
الأم عطاء خال من شوائب الأنانية لأنها صورة نورانية قدمت من عالم الطهر.
الأم رحمة ربيعية تعقب شتاء قارساً قد أحال حركة الحياة إلى جمود.
الأم ينبوع فياض يمدنا بزلال الحب الصادق.
الأم زخات مطر ناعم يبعث الحياة حيث يوجد الجفاف فسترد بذور الحب والحنان أنفاسها لتطل على الأرض من جديد بعد أن غيبها تراب قسوة الحياة في جوفه.
الأم إباء وعزم وصمود أمام ريح خريف الحقد العاصفة.
الأم نسمات حب عِذاب تحمل معها أريج عطف وحنان.
الأم صوت رخيم يموج بعطاء حب لا يعرف الحدود.
الأم جهد ونضال تزيل عن بحر حياة أبناءها حطام أمواج عاصفة.
الأم بسمة مشرقة يؤنس الروح رؤيتها.
الأم نفس تشع بالبهجة والسعادة, وقلب ينبض بالحب والخير.
الأم أشعة شمس متوهجة توقد في أبناءها أماني الفلاح بغد رغد سعيد.
الأم مدرسة واسعة تستجلي لأبناءها معالم الحياة وخوافيها لينطلقوا في خضم الحياة وكلهم ثقة واعتداد.
الأم هي صانعة العظماء وموجدة العبقريات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل نسوك, ولم يعودوا يذكرونك في الحياة
والدهر يَدفنُ في ظلام الليل حتلى الذكريات
إلا فؤادا ظل يخفق في الوجود إلى لقاك
ويود لو بَذَلَ الحياة إلى المنية وافتداك
فإذا رأى طفلا بكاك, وإن رأى شبحاً دعاك
يصغي لصوتك في الوجود, ولا يرى إلا بهاك
يصغي لنغمتك الجميلة في خرير الساقية
في رنة المزمار, في لغو الطيور الشادية
ويراك في صور الطبيعة : حلمها وذميمها
وحزينها وبهيجها, وحقيرها وعظيمها
في رقة الفجر الوديع, وفي الليالي الحالمة
في فتنة الشفق البديع, وفي النجوم الباسمة
في رقص أضواء البحيرة تحت أضواء النجوم
في سحر أزهار الربيع, وفي تهاويل الغيوم
في لمعة البرق الخفوق, وفي هوى الصاعقة
في ذلة الوادي, وفي كبر الجبال الشاهقة
أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود؟
هو قلب أمك السكرى بأحزان الوجود
هو ذالك القلب الذي مهما تقلبت الحياة
وندفَّع الزمن المدمدم في شعاب الكائنات
وتغنت الدنيا, وغرد بلبل الغاب الجميل
سيظل يعبد ذكرياتك لا يمل ولا يميل
عزيزتي أميرة القلوب
أنا أشكرك على طرح مثل هذا الموضوع
وصدقيني لو كتبنا مجلدات ليس رد على موضوع لما وفينا حق الأم
ولكن لعل ردي على موضوعك يفي بالغرض وينصف حق الأم ولو قليلا
تقبلي مروري وتحياتي يا اميرة القلوب
أخوك نسناس الهوى